مراكش مدينة التناقضات

2009-05-08

تعتبر مدينة مراكش هي الوجهة السياحية الأكثر شعبية في المغرب وأبريل هو أكثر الأشهر نشاطا. لكن مع بداية تأثر المدينة الحمراء بالأزمة المالية العالمية، اضطر مسؤولو السياحة إلى التفكير في طرق جديدة لجذب المسافرين.

ليث أفلو وسهام علي من مراكش لمغاربية – 08/05/09

[File] يلتقي السياح المغاربة والغربيون في المدينة القديمة بمراكش.

على الشوارع الرئيسية في مراكش، تتمايل السيارات المدوية على الطرقات؛ وعلى الرصيف، يشق الراجلون بملابس ملونة طريقهم عبر البائعين المتجولين والعربات ومربي الثعابين؛ وفي المقاهي، يجلس السواح لاحتساء الشاي المغربي التقليدي والاستمتاع بالأكلات الأصيلة والاستماع للموسيقى المحلية.

إنها مدينة التناقضات حيث يمتزج التاريخ بالحداثة والثراء بالفقر وجها لوجه.

أينما تلقي ببصرك، وأيا كان الموسم، فإن السياح من كافة أقطاب العالم يتوجهون إلى "المدينة الحمراء" وخاصة في شهر أبريل عندما يكون الجو في أحسن أحواله.

ويقول سائح فرنسي من بوردو لمغاربية وهو جالس مع زوجته قبالة المسبح في فندق تيشكا "إن الشمس هي التي أوقعتنا في حب هذه المنطقة من المغرب. إلى جانب الإرث التاريخي". ويضيف أنهما يزوران مراكش كل ربيع لاستعادة نشاطهما.

مراكش لا تخضع لتطرفات الطقس الموسمية القاسية مما يجعلها مركز جذب للسياح الأوروبيين. وفي ساحة جامع الفنا الأسطورية، فإن الفنانين والحرفيين والعرافين ومربي الثعابين حاضرون في الساحة على مدار السنة.

المركز العصبي للمدينة القديمة المحاطة بالسور هو نقطة التقاء السياح. وتنبعث من المطاعم الكبيرة في الهواء الطلق رائحة الكباب تلامس حواسك وتدعوك إلى أخذ طاولة. الشرفات المرتفعة للمقاهي المجاورة تطل على الميدان كساحة مسرحية كبيرة.

كل الطرق تؤدي إلى هذا المكان، إلى مربي الثعابين الذين يحملون زواحف من كافة الأشكال والأحجام على أذرعهم، والعرافين الذين يعرضون عليك قراءة مستقبلك. وتملأ الموسيقى الأجواء ويسود جو احتفالي بهيج.

المكان شهير بحياته الليلية الحيوية.

ويقول ماتيو، سائح فرنسي من تولوز "هناك كل هذه الموسيقى وكل هذه العروض. إنها مدينة حفلات .

[File] سياح أوروبيون يزينون أيديهم بالحناء في جامع الفنا.

لكن المظهر الاحتفالي المعروض للسياح بالكاد يخفي بؤس العديد من المراكشيين. فالنساء الكبيرات اللواتي يعرضن قراءة طالعك أو يزين يدك بالحناء يوحين ببؤس شديد ولا أدل على ذلك من ملابسهم.

ثم هناك الأطفال المتسولون.

خولة تبلغ من العمر 13 سنة. إنها العاشرة ليلا، لكن عوض إنجازها لتمارينها المدرسية، فهي توجد هنا لبيع الحلوى المصنوعة في البيت على الشارع. عندما سُئلت إذا كانت تحضر بانتظام إلى هذا الممر الصغير الذي يقود إلى المدينة القديمة داخل السور، قالت "كل يوم"، ثم مدت يدها تطلب الصدقة.

الممرات من جامع الفنا تقود إلى السوق وهو شبيه حقا بمغارة علي بابا. السوق الذي يمتد بين ساحة جامع الفنا ومدرسة بن يوسف القرآنية، لا يمكن للسياح مقاومته.

محلات البائعين مصنفة حسب التجارة أو التخصص. حيث توجد كافة أنواع السلع هنا من الشباشب المغربية التقليدية والتوابل إلى الخزف والسلع الجلدية. ورغم أن الأسعار مرتفعة جدا، فقلما تجد المارين يغادرون خاويي الوفاض. وتملأ المتاجر الأزقة الشبيهة بالمتاهة. وهنا وهناك تشق الدراجات النارية طريقها وسط حشود من المارة.

ويعمل أزيد من 40 ألف حرفي في هذه المنطقة المغلقة يقيهم سقف خشبي أو متناثرين حول الأزقة المغطاة.

المدينة القديمة، وهي مركز مراكش التاريخي الشهير، تغطي 600 هكتار. وفي القرن الثاني عشر، شُيدت قصبة (قلعة) لحماية المدينة من هجمات القبائل الجبلية. وتم تغيير الأسوار الوقائية وتمديدها عدة مرات من قبل مختلف الأسر التي حكمت مراكش. لونها الأحمر هو الذي أكسب مراكش اسمها الشهير: المدينة الحمراء.

أما اليوم، تعتبر المدينة القديمة مركزا سكنيا وتجاريا هاما. حيث تلقى المنازل التقليدية أو الرياض شعبية كبيرة وسط الأثرياء المغاربة أو السياح الأجانب الذين لا يدخرون فلسا في سبيل ترميمها.

قصر الباهية، هو موقع تاريخي آخر للزيارة في أي رحلة سياحية. وهو مقر الإقامة السابقة للوزير با أحمد الذي كان في السابق من أكثر الرجال نفوذا في المغرب. وتجدر الإشارة أيضا إلى مسجد الكتبية. فمنارته التي تعلو فوق المدينة والتي يمكن رؤيتها من كل مكان والمضاءة ليلا، هي من بين أجمل المعالم التاريخية في شمال إفريقيا.

[File] مسجد الكتبية هو أحد أشهر المعالم في مراكش.

لكن السياحة في مراكش بدأت تعاني آثار الأزمة الاقتصادية العالمية.

عثمان الشريف العلمي الذي يترأس الاتحاد الوطني للسياحة يؤكد أن أرقام مراكش تتراجع. واعترف قائلا "المدينة تعاني من الركود".

وقال بأسى على نغمات حفل مجاور للموسيقى الأندلسية "في السابق، كانت هذه الفترة من السنة هي أوج السياحة، ولا تجد أي مكان شاغر في قصر سليمان".

وتنبأ الخبير المحنك قائلا "الأزمة المالية بدأت تلقي بظلالها على السياحة. مراكش كلها ستتأثر بذلك".

وتعمل السلطات المحلية والوطنية جاهدة من أجل الحفاظ على مركز مراكش لتظل الوجهة السياحية المفضلة. وبموجب "خطة الأزمة" التي وضعتها وزارة السياحة والصناعة التقليدية والمكتب الوطني للسياحة، وعدت الحكومة في ميزانية 2009 بزيادة صندوق الاتصالات للمدينة الحمراء بنسبة 20% (وبلغت في 2008، 116 مليون درهم).

وقال حميد بنطاهر، رئيس المجلس الجهوي للسياحة "تكمن الفكرة في تقليص أثر الركود وتعزيز حصة مراكش من سوق [السياحة]". وتم القيام بإجراءات هامة لضمان السوق الفرنسي الذي يمثل 60% من مجموع عدد السياح. وتستهدف إستراتيجيات أخرى السوق الداخلي (12%) والمملكة المتحدة (11%).

وقام المجلس الجهوي للسياحة بمراكش بإعداد خطته الخاصة وتشجيع الكولف والسياحة البيئية والأسابيع الثقافية والمنافسات الرياضية والمهرجانات. وفي خطة تسويقية مكثفة، أطلق المجلس الجهوي للسياحة في مارس سلسلة من "الحملات الترويجية" عبر فرنسا للترويج لمراكش على أنها الوجهة السياحية الأولى في المملكة. وشملت الحملة الترويجية في فرنسا ورشات عمل B2B بين المهنيين في القطاع السياحي المغاربة والفرنسيين.

ولمواجهة الظروف الصعبة التي يعاني منها القطاع، بدأت العديد من المقاولات في مراكش عرض تخفيضات مهمة على منتجاتها.

حمدان، موظف استقبال في فندق، قال لمغاربية "الطلب ليس مرتفعا كما كان في السابق. لهذا قررت الإدارة تقديم عروض خاصة لجذب الزبائن محليا ومن الخارج".

ويعاني الحرفيون في المدينة أيضا من آثار الركود.

سمير الراضي يقول لمغاربية "لا زال السياح يتوافدون بأعداد كبيرة للاستمتاع بالأعمال المعروضة. لكن القلة منهم فقط هي التي تشتري المنتجات".

موقع مغاربية كلّف مراسلين محليين تحرير هذه المادة.
Loading

صوّت

Loading
comments

ben-zert نشر 2009-05-10

لقد زرت هذه المدينة. يحزنني أن أرى كيف تتم معاملة السكان الأصليين بالمقارنة بالآخرين. يبدو أنهم مثل العبيد الذين وضعوا في عرض لكي يسعدوا السائحين. وهم يستخدمون الأطفال والنساء في الأماكن العامة لجذب الأجانب. ناهيك عن الفقر الذي يعيش فيه سكان هذه المدينة. فملابسهم وأميتهم تشهد على ذلك. للأسف، فإنه في ظل الظروف العادية، فإن سكان مراكش ينبغي أن يستفيدوا من المال القادم لهذه المدينة من خلال السائحين، ولكن هذا لا يحدث، حيث أننا نجد أن نسبة الـ 5% الكبار، الذين يمتلكون الفنادق والمطاعم، وبالطبع يشكلون الدولة، هم الذين يأخذون كل شيء. وفي هذه الأثناء، فإن 95% من السكان يغرقون في الفقر والجوع والأمية.

wajdi نشر 2009-05-12

لا أدري ما إذا كنت مختصاً حقاً في تحليل الفقر لدرجة أنه يمكنك أن تقدم مثل هذه الأرقام الدقيقة حول عدد الأشخاص الذين يستفيدون من عطية الله التي تأتي من خلال السائحين. على أية حال، لا أتفق مع ذلك. إذا كانت هذه هي الحال، فإن تأثير الأزمة لن يكون كبيراً بالنسبة لشريحة كبيرة من السكان، ولا سيما في مراكش، التي هي أبعد ما تكون عن النموذج الاقتصادي المطبق في أوروبا. لكن ماذا تريد؟ إن هذا البلد لم يكن به الكثير من المستثمرين – ربما شركة رينو وبعض الشركات الأخرى فقط – لكي يكون قادراً على التخلص من الفقر الداخلي ويرحب بالمعوزين من البلاد الأخرى. وحيث أني قد سافرت إلى بلاد المنطقة المغاربية (عشت في مدينة المنستير لمدة ثلاث سنوات)، فإني أعرف أن الوضع لا يختلف كثيراً من بلد لآخر. ومن هنا تأتي أهمية العمل بصورة دورية كمجتمع لكي نقاتل شرورنا ونجد وبضع الحلول مثل تشجيع السياحة بين الدول المغاربية والعربية. دعونا نأمل في ذلك على الأقل.

RachidMaroc نشر 2009-05-12

لا أتفق معكم. إن شعب مراكش سوف يجد حقاً وسيلته في خلق الوظائف وفي تطوير المدينة. وهذا سوف يوفر جودة حياة أفضل بكثير للجميع. أما بالنسبة للفقر، فإني سأترك الأمر لكم لكي تتخيلوا كيف أن الحياة اليومية للفقراء ستتغير بدون السياحة. أما بالنسبة للأرقام المذكورة أعلاه، فهي زائفة تماماً. لم تعد توجد مدن صفيح في مراكش. إن جودة الحياة أفضل مما كانت عليه قبل عشر سنوات. فسكان مراكش ليسوا فقراء جميعاً مثلما قلتم، لكن هناك أقلية مرئية هي الفقيرة. في واقع الأمر، فإن المغرب لا يشعر بالخزي والعار من أن يُظْهِر هذه الأقلية مثلما يفعل مع الآخرين لكي يرى السائحون النسخة الرسمية وكل شيء يمضي على نحو جيد وعلى ما يرام، أو، بمعنى آخر، فإن الفقر والأمية هي مشاكل ينبغي أن نحاربها بدون توقف. فهذه مشاكل لكل المنطقة المغاربية، ويمكنكم أن تجدوا أمثلة أسوأ من الوضع هنا في المغرب. أود أن تصبح الحكومة وكل الحكومات الأخرى في المنطقة المغاربية أكثر إلحاحاً في سياساتها لكي تتخلص من هذه المشكلة. ولن يكون هذا سهلاً – ولا سيما في ضوء أن البلاد الصناعية الكبرى لم تنجح في محاربة الفقر – لكن هذا شيء يلزم أن يتم. لا توجد حاجة لإصدار الأحكام وإهانة شعب مراكش. فهم ليسوا عبيداً لأي أحد، هل فهمتم؟ تعالوا وزوروا. وماذا تقترح أنت يا خبير مراكش وسكانها ويا سيد عالم الاجتماع. توقف عن التعميم، لأن الجهلاء فقط هم الذين يعممون. شكراً لكم!

نحن نرحب بآرائكم حول مقالات مغاربية.

نأمل أن تستعين بهذا الفضاء الحواري للتفاعل مع قراء آخرين عبر منطقة المغرب الكبير. ومن أجل الحفاظ على الاهتمام بهذه التجربة نلتمس منك إتباع القواعد المبينة في سياسة أثناء صياغة التعليقات. وإنك بإرسال تعليق ما، فإنك توافق على هذه القواعد. وإن كان موقع مغاربية دوت كوم يشجع مناقشة جميع الموضوعات بما فيها المتسمة بحساسية، فإن التعليقات المنشورة لا تعبر سوى عن رأي أصحابها. فالموقع لا يؤيد أو يوافق بالضرورة على الأفكار أو الرؤى أو الآراء المعبر عنها من خلال هذه التعليقات. ويخضع هذا المنتدى لمراقبة إدارة التحرير ولذا يجوز ألا تُنشر التعليقات التي تُخل بالاحترام الواجب أو تخدش مشاعر الآخرين أو تحتوي على كلام فاحش.

سياسة مغاربية الخاصة بتعليقات القراء

اسم
(اختياري)بريد الكتروني
تعليقكم

1800 ‎حرفا متبقيا (أقصاها 1800 حرف)‎

turing test
أدخل الأرقام
.
Zawaya
هل تزود مؤشرات التنمية البشرية الحكومات بمعلومات مفيدة لمكافحة المشاكل الاجتماعية؟

تغطية خاصة

الانتخابات الرئاسية التونسية

امتحان البكالوريا 2009

مختارات

الاضطراب الصومالي مصدر قلق للبلدان المغاربية المجاورة

2009-11-05

مع تصاعد سلطة الجماعات المتطرفة في الصومال، تتزايد المخاوف في البلدان المغاربية حول حماية الشباب من تبني الأفكار المتطرفة.
متابعة...
.

إستطلاع

من المسؤول عن تراجع كرة القدم المغربية؟






راجع النتائج

مقالات

Loading