شيوع مشاعر التسامح الديني في جزيرة جربة التونسية

2008-06-06

في جزيرة جربة، يجتمع تلاميذ المدارس مسلمين ويهود تحت سقف واحد بينما تشرف امرأة على كنسية يونانية أورتودكسية. في مثل هذه الأجواء من التعايش والتسامح اكتسبت جربة لقب "جزيرة الأحلام" عن جدارة واستحقاق.

تحقيق جمال العرفاوي من تونس لمغاربية- 06-06-08

[جمال العرفاوي] تلاميذ يهود ومسلمون يدرسون ويلعبون في مدرسة السواني بجزيرة جربة التونسية حيث التعايش الديني من عادات الحياة هنا.

لم تفهم اليزا وازن التي كانت تلهو وسط ساحة المدرسة مع ابنة عمها غائيل وصديقتها أحلام الشهيبي أي شيء مما يدور حولها. حيث هلّ، على الساحة ومن غير سابق إنذار، العشرات من الزوار. لكن اليزا لم تبالي. لم تعر اليزا وصديقاتها أي اهتمام للمصورين الصحفيين الذين انهالوا بكاميراتهم على المكان بل واصلت لهوها وهي تلقي بنظرات ملؤها التساؤل عن سبب وجود كل هؤلاء الأشخاص في مدرستهم. فالزوار الذين كانوا يطوفون بأرجاء المدرسة وبأقسامها منحها والكثير من زميلاتها فرصة أكبر للراحة واللهو.

حظيت مدرسة السواني بحومة السوق، بكونها المدرسة الوحيدة في الجزيرة وفي تونس التي يلتقي فيها تلاميذ يهود ومسلمون، ولا يمنعهم الاختلاف في الديانة من تلقي ذات الدروس من علوم وفنون وتاريخ. فخلال زيارتنا للفصول وجدنا التلاميذ جنبا إلى جنب، حيت أفادتنا إحدى المشرفات أن هؤلاء يتلقون نفس الدروس إلا يوم السبت من كل أسبوع.

فيوم السبت هو يوم مقدس لدى اليهود. ومن أجل ذلك نظمت إدارة المدرسة روزنامة الدروس بما يستجيب لاحتياجات المجموعتين. وخلال يوم السبت وفي غياب التلاميذ ذوي الديانة اليهودية تقدم دروس التربية الإسلامية للتلاميذ المسلمين فيما يتلقى أقرانهم دروسا حول ديانتهم في مدرسة دينية يهودية تقع في الحارة الكبيرة الواقعة في جزيرة جربة.

وقالت زينب جندلي، وهي مفتشة بالتعليم الابتدائي بجزيرة جربة، إن هذه المدرسة تعد نموذجا "للتآخي والتعايش كما أننا أردنا أن نبعث برسالة مفادها أن الديانات السماوية لا علاقة لها بما يعيشه العالم من نزاعات ورفض للآخر". السيدة زينب تقول بأنه لا توجد في أذهانهم أية خلفيات دينية وعرقية".

وأضافت "فجميعهم تونسيون وبراءة الأطفال تجمعهم".

وفي أثناء ذلك وبصوت خافت يعلق حبر بريطانيا بالقول "إنهم يمارسون التعايش دون أن يتحدثوا عن التعايش، أملي في يوم ما أن أرى جميع مدارس الدنيا تسير على هذا الطريق".

وتضم المدرسة التي شُيدت سنة 1974، 480 تلميذا من بينهم 120 تلميذا يدينون بالديانة اليهودية. وتضم جزيرة جربة غالبية يهود تونس.

وحسب غاربيال قابلة، وهو طبيب يهودي من مواليد جزيرة جربة مقيم بفرنسا فإن "تونس هي البلد الوحيد الذي يتزايد فيه عدد اليهود". فخلال السنة الماضية كان عدهم في جزيرة جربة يقارب 900. أما اليوم فإن العدد بلغ 1080 نسمة.

ودخل اليهود تونس لأول مرة خلال القرن السادس قبل الميلاد حين طردهم الملك البابلي نبوخذ نصر بعد أن دمر هيكلهم الأول. ومنذ ذلك التاريخ تعاقب اليهود على المجئ إلى تونس كملجأ آمن لهم وكانت آخر معاناتهم مع سقوط إسبانيا. ووجد يهود تونس الحماية من الحكام الذين تعاقبوا على البلاد أو من أصحاب السلطة بما في ذلك السلطة الدينية مثل "سيدي محرز بن خلف" الذي أقام له التونسيون مقاما يزورونه إلى حد هذا اليوم.

كما لقوا حماية من أهالي البلاد خلال الحرب العالمية الثانية خاصة عند دخول الجيش النازي إلى تونس. ويتداول الأهالي إلى حد هذا اليوم روايات عن بطولات أجدادهم يختلط فيها الخيال بالحقيقة.

وخلال السنة الماضية رشح معهد ياد فاشيم حول ضحايا الهولوكوست أحد سكان المنطقة الساحلية بتونس لنيل ميداليته بسبب عمله البطولي وتحديه للجيش النازي وذلك بإخفائه لأطفال يهود في بيته.

واليهود في جزيرة جربة يتوزعون على الحارتين الصغرى والكبرى وهما من الأحياء المفتوحة يتجاور فيه المسلم مع غيره.

[Getty Images] حبران يهوديان يمشيان في أحد أحياء جربة المفتوحة. قال أحد سكان الجزيرة "إنها تستحق أن تسمى جزيرة التسامح".

ويقول الحبيب بن يونس وهو في الستينات من عمره "صحيح أن أهل السياحة يطلقون على جربة جزيرة الأحلام لكني أعتقد أنها تستحق أن يطلق عليها جزيرة التسامح إذ ضمت وتضم مختلف الأديان والملل أيضا من مسلمين سنة وشيعة ومسيحيين أرتودوكس وكاتوليك ويهود".

ويفاخر أهالي جربة بالتعايش بين سكان جزيرتهم. فحسب غابريال قابلة وفي مطلع التسعينات توجهت ثلاث تلميذات من جزيرة جربة تطالبن من رئيس الجمهورية أن يساعدهن في تخطي عقبة موعد امتحانات البكالوريا الذي يصادف موعده مع عيد مقدس لدى اليهود فكان لهن ما أردن فنجحت اثنتان منهن واحدة منهن تعمل مستشارة بإحدى الوزارات الفرنسية.

ولاحترام المواسم الدينية ليهود المدرسة تقول السيدة فريدة رجباني إنها تضع في مكتبها روزنامة الأعياد الدينية اليهودية لتخطط على ضوءها مواعيد الامتحانات.

ويتشارك أهالي الجزيرة في إحياء أعيادهم الدينية ويتبادلون الهدايا فيما بينهم. وتذكر السيدة مريم وهي في السبعينات من عمرها كيف كانت تتلقى في عيد "الفطيرة" اليهودي الكعك المشبك المسمى الفطيرة ومعه حلويات ودجاج محشي بالبيض واللحم.

وقصص التعايش لا تنتهي في الجزيرة مع رحيل أخر زائر يهودي للغربية التي يحج إليها سنويا آلاف الزوار من اليهود القادمين من أنحاء مختلفة من العالم بما في ذلك إسرائيل على الرغم من أن البلدين لا يقيمان علاقات دبلوماسية بينهما. بإمكان يهود إسرائيل من أصل تونسي وغالبيتهم يحملون جواز سفر تونسي أن يأتوا إلى تونس دون أية تعقيدات تذكر.

وخلال المحج الأخير تمنى بيريز الطرابلسي على تونس وتل أبيب أن يفتحا خطا جويا مباشرا بمناسبة الحج إلى الغربية "لنرى ما لا يقل عن عشرين ألف زائر" وخلال احتفالات هذا العام التي تزامنت وشهر مايو حل بالجزيرة أزيد من 6 ألف يهودي من بينهم 1500 جاؤوا من إسرائيل وغالبيتهم العظمى من مواليد تونس.

ترجع سمعة جزيرة جربة الجيدة لاحتضانها لكوكتيل من الأديان في انسجام واحترام تامين- يتواجد بالجزيرة 338 مسجدا و39 كنيسا يهوديا وكنيستان الأول للكاتوليك والثانية للاورتوذوكس- وتفتخر الجزيرة بكنيستها للاورتوذوكس، ليس فقط لزخارفها وبناءها العتيق وإنما لأنها تشرف عليها امرأة مسلمة.

متعلقات

Loading

وحين تصل أمام الباب الرئيسي للكنيسة تطل عليك حامية الكنيسة: امرأة نحيفة ذات وجه متجعد ينبئك بسنها. لكن بسمتها التي يطغى عليها بقايا شباب متقد تمنحك راحة لا تعرف سببها. مباركة ترملت قبل أكثر من 25 عاما وورثت عن زوجها اليوناني كنيسة.

ودأبت على الاعتناء بها منذ فراقه.

تفاخر بكونها مسلمة ولا ترى أي حرج في الإشراف على كنيسة مسيحية فهي بالنسبة إليها قطعة من كبدها. "فهي جزء مني لأنها أعز ما ترك لي زوجي وأنا فخورة بذلك".

وتضيف السيدة مباركة "أنا أحترم كل الأديان وكل شخص حر في ما اختاره من دين المهم ألا يعتدي على الآخرين وعلى أية حال فكل الديانات السماوية توصي بذلك".

موقع مغاربية كلّف مراسلين محليين تحرير هذه المادة.
Loading

صوّت

Loading
comments

mouldi maaroufi نشر 2008-06-07

لماذا لا يستطيع الأشخاص المحترمون والمتعلمون في فلسطين وإسرائيل يهوداً ومسلمين ومسيحيين الثورة على كوميديا الأخطاء هذه التي تحدث يومياً في حياتهم؟ وأن يستخدموا الحوار كي يتحدوا ويسقطوا أولئك الذين يمسكون بزمام السلطة والذين يستخدمون العنف غير الضروري لكي يقتلوا ويشوهوا الأبرياء، وأن يعودا إلى ما كانت عليه الحياة قبل هذه الحكومات المثالية والعنصرية التي تترعرع على المنح كي تحقق غاياتها وتعيش حياة رغيدة على حساب الذين يخافون الله عن طريق زرع بذور الكراهية والدمار يوماً بعد يوم من أجل تعقيد الأمور كي يجلبوا المزيد من المنح بحيث يصبحوا أغنى الأغنياء إن لم يكونوا قد أصبحوا كذلك بينما يراوح العالم مكانه في قصة لا تنتهي أبداً وبينما يُقتل الأبرياء ويشوهون ويتيتمون. إن نموذج Jerba la douce لتونس العظيمة اليوم يجلب الفرح إلى قلوبكم ويجعلكم تتساءلون عن سبب هذه الحرب في إسرائيل وفلسطين إن لم يتم التغلب على السلطة وألاعيب الشيطان.

محمد بن محمد نشر 2008-06-07

يجب أن نفهم جيدا أن النظام التونسي ليس إسلاميا ويضطهد الإسلام أينما كان وهو يحترم الأديان الأخرى ليس بسبب التسامح بل لأن وراءهم دول قوية لا يستطيع أن يغضبها لأنها في حالة إغضابها سيهوى مع كرسيه إلى الأسفل لأنهم هم من نصبوه ويستطيعون أن يلغوه في أي وقت شاءوا مع اليهود ليس هنالك تسامح لقد فضحهم القرآن والله أدرى بعباده لقد قال لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين أشركو ا صدق الله العظيم ورسولنا وهو قدوتنا قد أجلاهم من المجتمع الإسلامي لأنهم وراء الفتن التى تعصف بالأمة والتاريخ أثبت بما لايجعل مجالا للشك أن الحروب العالمية التى جرت وراءها شرار الناس أي اليهود وأوليائهم لذا أنصح اخوتي التةنسيين أن أفيقوا من غفلتكم لا يوجد تسامح بل قوة وعزة وذل والله نسأل أن ينصرنا على اليهود ومن والاهم .

mourad نشر 2008-06-07

أتمنى أن يعود ذات يوم جميع اليهود التونسيين إلى بلدهم الأم، تونس. إنهم تونسيون وليسوا يهوداً.

amine mouloudia نشر 2008-06-08

إن الشعب الفلسطيني يستشهد في حين أن التونسيين يتفاخرون بأن لديهم جزيرة للتسامح. يا له من عار!!! هل الفلسطينيون لديهم نفس الحقوق التي لدينا؟؟؟ في رأيي، فإن هذه مجرد مداهنة. ولهذا السبب فإن فلسطين لا تزال محتلة! عار عليكم!

عبد الرحمان نشر 2008-06-09

السلام عليكم يا سيد محمد بن محمد الم تقرا سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومعاملته الحسنة لليهود .بالله كفاكم اساءة للاسلام الذي هو دين تسامح فهناك في تونس من يعلنون اسلامهم وذلك بتاثرهم بمعاملات المسلمين التونسيين لهم اخيرا امراة المانية كتب عليها في الاخبار اعلنت اسلامها في جامع القيروان اليس التسامح مع الاديان الاخرى تهدي للاسلام افضل من الكلام السيء وكانك لا تعرف الاية القرانية "كلمة طيبة كشجرة طيبة...." اضافة ان في جربة المواطنون المسلمون يتعاملون مع المواطنون اليهود بتلقائية لا دخل للسياسة اي كلهم تونسيين - ما يدريك ربما اطفالهم يهتدون للاسلام بمصادقتهم لاطفال المسلمين.

Alia de Tunisie نشر 2008-06-09

إذا كنتم قادرين على تحرير فلسطين – بأي شيء آخر غير تلك الكلمات الجوفاء والشعارات الكوميدية – فعندئذ اذهبوا وبينوا لنا كيف تفعلون ذلك أيها الأبطال المخفيين! بالنسبة لجزيرة جربة، فهي فعلاً أرض التسامح منذ قديم الأزل، وهو الأمر الذي لا يسعد تنظيم القاعدة أو المتعصبين من كل حدب وصوب. كلمة للحكماء!

hf, hpsdk نشر 2008-06-10

لاحول ولاقوة الاب اللة

تونسي نشر 2008-06-10

يا سادة ، تلك هي تونس ،أرض التسامح و المحبة والحوار و التضامن والتآزر، لا فرق بين مسلم أو يهودي أو مسيحي أو حتى ملحد ، العمل الطيب هو أساس التعايش السلمي ، والجميع تونسيون ،فلا تشغلوا بالكم بمثل هذا النقاش غير المجدي ،لأنه غير مطروح في أرض تونس الخضراء الكل اخوة وأحبة ، تلك هي تونس

Ego نشر 2008-06-10

أن يدرس التلاميذ المسلمون واليهود والإغريك أو القادمون من المريخ معاً ليست هذه هي المسألة؛ بل هذا أمر جد عادي وخاصة أن هؤلاء الأطفال هم من نفس البلد. إن هذا لا يقدم أي دليل من أي نوع على التسامح الإيجابي. هذه مجرد رغبة في تصنيع تاريخ من التسامح بهدف تبرير السياسة المشينة والمأساوية التي تغوي زعماء المحفل الماسوني في المشرق (وغيره) - تلك هي المسألة. وعلى هيئة سؤال إلى ALIA -التي شنت في الحقيقة هجوماً حقيراً- هل سيسمح تسامح بن علي لي بإطلاق لحيتي أو يسمح لزوجتي المحجبة أن تكون معلمة؟ تلك هي إذن قواني التسامح.

Abou aissa نشر 2008-06-11

إلى Alia de Tunisie: أنا أتفق معك تماماً. هؤلاء هم مجرد خرفان سوداء وأبطال مخفيين [...] والذين يقتلون أخواتنا وإخواننا الأبرياء. هذا ينطبق بصورة خاصة على المتعصبين من الجماعة السلفية والقاعدة. حقيرون فعلاً. إنهم لا يمتلكون الشجاعة للقتال ضد الجيش الإسرائيلي القوي. ما داموا بهذه الشجاعة فعليهم أن يظهروها في ميدان القتال مع هذا الجيش. أبطال؟ هؤلاء الأشرار عبارة عن تفاحات فاسدة فارغي الرؤوس.

CHUKA نشر 2008-07-31

هل يمكن للكنائس أن تعمل هناك؟

nadhir نشر 2008-09-21

لا يوجد أي تسامح مع اليهود. فنحن التوانسة نكره اليهود والإسرائيليين.

Sacha نشر 2008-10-20

لقد كانت تونس، وستظل دائماً، أرض السلام والمحبة، وكل ما يهم هو الكائن البشري بغض النظر عن الدين أو اللون أو البشرة. هذه هي تونس ونحن فخورون بأننا ولدنا هنا. أنا يهودي، لكني كنت دائماً أنظر لنفسي على أني تونسي أولاً وقبل كل شيء. الله يبارك أرضي!

نحن نرحب بآرائكم حول مقالات مغاربية.

نأمل أن تستعين بهذا الفضاء الحواري للتفاعل مع قراء آخرين عبر منطقة المغرب الكبير. ومن أجل الحفاظ على الاهتمام بهذه التجربة نلتمس منك إتباع القواعد المبينة في سياسة أثناء صياغة التعليقات. وإنك بإرسال تعليق ما، فإنك توافق على هذه القواعد. وإن كان موقع مغاربية دوت كوم يشجع مناقشة جميع الموضوعات بما فيها المتسمة بحساسية، فإن التعليقات المنشورة لا تعبر سوى عن رأي أصحابها. فالموقع لا يؤيد أو يوافق بالضرورة على الأفكار أو الرؤى أو الآراء المعبر عنها من خلال هذه التعليقات. ويخضع هذا المنتدى لمراقبة إدارة التحرير ولذا يجوز ألا تُنشر التعليقات التي تُخل بالاحترام الواجب أو تخدش مشاعر الآخرين أو تحتوي على كلام فاحش.

سياسة مغاربية الخاصة بتعليقات القراء

اسم
(اختياري)بريد الكتروني
تعليقكم

1800 ‎حرفا متبقيا (أقصاها 1800 حرف)‎

turing test
أدخل الأرقام
.

تغطية خاصة

إنقلاب في موريتانيا

مختارات

استياء شعبي في المنطقة المغاربية إزاء رجم طفلة صومالية مُغتصبة

2008-11-07

أثار رجم طفلة تبلغ 13 عاما حتى الموت في الصومال موجة استياء وتنديد عارمة بين الناس ورجال الدين في كل نواحي المنطقة المغاربية.
متابعة...
.

إستطلاع

كيف ترى الوضع في موريتانيا؟





راجع النتائج

مقالات

Loading