القيروان تستعد للمولد النبوي الشريف
2007-03-30
تشع كل مظاهر الحياة في كل أرجاء مدينة القيروان في الأسابيع السابقة لذكرى المولد النبوي الشريف. فالتجار والحرفيون وزعماء المنطقة يستعدون لاستقبال آلاف الحجاج الذين سيتوافدون على أكثر المواقع قدسية في المدينة التاريخية.
النص والصور من إعداد جمال العرفاوي من تونس العاصمة لمغاربية- 30/03/07
![]() مسجد عُقبة |
مع إشراقات الشمس الصباحية ليوم 31 مارس تخلد مدينة القيروان التونسية الذكرى السابعة والثلاثين بعد الألف وأربع مائة لمولد الرسول عليه الصلاة والسلام. المدينة أسسها المسلمون تحت قيادة عقبة بن نافع الصحابي الجليل سنة 670 لتكون عاصمة لهم ومنطلقا لفتوحاتهم في المنطقة المغاربية. اليوم تستقبل المدينة أكبر تجمهر واحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام على الإطلاق.
القيروان تقع في مفترق طرق ومن أجل ذلك اختارها عقبة بن نافع عاصمة ومستقرا له لانبساط أرضها وابتعادها عن البحر خوفا من هجمات البيزنطيين والبربر من الجبال المحاذية. وحتى اسمها يوحي بتاريخها العسكري فكلمة القيروان تعني باللغة الفارسية "الثكنة"
حين تطأ أقدامك مدينة القيروان تشعر لحظة وأن التاريخ قد توقف في هذه المدينة التاريخية فشوارعها الضيقة وأزقتها التي تحمل أسماء تاريخية توحي بتشبثها بالماضي العتيد مثل نهج عكة أو نهج القرامطة أو نهج كربلاء وتحتضن العشرات من آثار المسلمين الأوائل. الصحابي عقبة بن نافع الذي ارتبط اسمه وجامعه بهذه المدينة التي تعد مزارا مقدسا للكثير من المسلمين وأهميتها مقدسة لدى المسلمين.
ومدينة القيروان التي يزورها سنويا ما يقارب عن 350 ألف سائح تعرف أوج نشاطها مع اقتراب موعد المولد النبوي الشريف لتستعيد مكانتها الروحية لدى التونسيين الذين ينتقلون إليها بالآلاف ليلة المولد للسهر والتبرك بداخل مسجد عقبة بن نافع الذي تحول مع مرور الزمن إلى مركز حضاري ومعرفي يؤمه طلبة العلوم الدينية فبيت الحكمة الذي شيده أمراء بنو غالب مازال يشع بعلمه ودعوته للاعتدال والتسامح الديني.
مع إشراقات الشمس الصباحية تتحرك المدينة لتستقبل زوارها القادمين من مختلف المدن التونسية والليبية. البيوت والمسجد معها بدأت في تغيير طلاء واجهاتها الخارجية استعدادا لليوم الموعود وباعة المقروط بدؤوا يجهزون دكاكينهم بالسميد والتمر المعجون والسمن والفواكه الجافة التي هي المواد الأساسية لصناعة المقروط الذي يستهلكه التونسيون بشراهة في مثل هذه المناسبة وقال مراد العباسي لمغاربية وهو يطوع العجين فوق طاولة مستطيلة رشت بالزيت "مع اقتراب موعد المولد تزداد الحركة ولا نتوقف عن العمل على مدار الساعة وخاصة ليلة المولد فالطلبيات تتضاعف إلى حد لا يوصف "أما عن زبنائه فيكمّل مراد أنهم يأتون من العاصمة والمدن القريبة من القيروان ومن ليبيا والجزائر وإيران أيضا".
وخلال اليوم الذي يسبق موعد الاحتفال بالمولد يتنقل الزوار ما بين جامع عقبة ومقام أبي زمعة البلوي حلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك مسجد الأبواب الثلاث وكذلك مقام سيدي عبيد الغرياني المشهور بجمال سقفه ورواقه ذي الطابع العربي المرفوع فوق أعمدة بيزنطية.
وحين تدلف داخل المدينة العتيقة ستتوقف بالتأكيد أمام أحد الجدران الذي علقت بوسطه ورقة كتب عليها "لكل مدينة زمزمها وزمزم القيروان ماء بروطة ويشيع أهل المدينة إن من شرب من بئر بروطة سيعود بكل تأكيد لزيارة القيروان مرة أخرى. ويقول الشيخ إبراهيم النوالي إن المؤرخين عجزوا عن معرفة قصة هذه البئر "كل ما تسمعونه ليس إلا وليد الخيال".
ومدينة القيروان بها معالم تاريخية بناها بنو غالب وتشتهر بنافورتها التي شيدها الغالبة لتجميع المياه التي تنهمر بكثرة في فصل الشتاء وتغيب طوال أشهر السنة وهذه النافورة هي عبارة عن حوض له 48 ضلعا ويبلغ قطره 120 مترا، ومازالت إلى حد هذا اليوم قبلة للزوار لغرابة شكلها وكذلك موضوع إلهام للرسامين والمصورين.
وفي صبيحة يوم المولد تنهض النساء باكرا لإعداد العصيدة التي تطبخ بالماء والسميد ويوضع فوقها بعد أن تصبح رخوة شيئا من العسل والسمن أو زيت الزيتون والسكر وأصبحت بعض العائلات تتفنن في إعدادها ليعوضّ السميد بالزقوق وهي حبة سوداء تستورد من الشرق، وفي المساء تتجمع العائلات حول أطباق الكسكس المعد بلحم الخروف أو الدجاج.
وخلال السهرة يرتدي الرجال الميسورون الجّبة التي صنعت من الحرير وتلبس النساء الحايك وهي عباءة نسائية من الصوف الجيد ذات اللون المائل إلى الأصفر.
![]() بائع لخبز القيروان الفريد |
وبالإضافة إلى تفردها بصناعة نوع خاص من الخبز المستدير الضخم ذو الرائحة الشذية تشتهر القيروان بصناعة الزربية وهي صناعة تشغل 23 ألف عاملا وعاملة وقد يصل سعر الواحدة منها إلى ألفي أو ثلاثة آلاف دينار وللزربية مهرجانها في هذه المدينة الذي يعد مناسبة كبيرة للمقبلين على الزواج للظفر بواحدة منها.
ويشتكي الحرفيون من هجوم الزرابي الاصطناعية على ميدانهم. ويقول البشير بن عبد الله وهو يشيع بعينيه نحو سوق الكاضمة الذي يعرض سلعا مستوردة من آسيا "الناس أصبحوا يفضلون الزرابي المستوردة لانخفاض أسعارها إنهم لا يأبهون بقيمة الزرابي الأصلية ولا لأهميتها داخل البيت" وللتأكيد على قيمة الزربية القيروانية يقول البشير "أعرف عائلات يفترشون زرابي قيروانية منذ عشرات السنين ولم يتغير لونها أو تفقد نعومتها أما الزرابي الاصطناعية فهي تصيب الأطفال الصغار بالحساسية".
ودأبت مدينة القيروان منذ أكثر من ثلاثين عاما على احتضان ندوة دولية يطلق عليها اسم "الندوة المولدية" تناقش قضايا دينية يتزامن موعد انعقادها والأيام التي تسبق المولد النبوي الشريف وخلال السنة المنقضية ناقشت موضوع مجلة الأحوال الشخصية والإسلام أما هذا العام فقد نظمت وزارة الشؤون الدينية ندوة تمحور موضوعها حول "السند التونسي في ممارسة الشعائر".
وخلال افتتاحه أشغال الندوة يوم الأحد قال بوبكر الاخزورى وزير الشؤون الدينية إن موضوع هذه الندوة يدخل في إطار"سعي تونس إلى تلقين أبنائها هويتهم وشخصيتهم الوطنية" مؤكدا أن الهوية في مجال ممارسة الشعائر لا تنفصل عن الهوية الوطنية".
وأشار الوزير إلى "أن الغاية الكبرى من مثل هذه الندوات إنما يتمثل في بناء فكر ديني مستنير".
وألقى الدكتور محمد المصلح أستاذ الفقه بكلية الآداب بوجدة بالمملكة المغربية خلال الجلسة العلمية الأولى محاضرة بين فيها خصائص المدرسة الفقهية المالكية االسنية لتي امتد عطاؤها من القيروان إلى المغرب والأندلس.
كما قدم الدكتور سيف الدين ماجدي الأستاذ بجامعة الزيتونة مداخلة حول دور المدرسة الكلامية بإفريقيا في مجابهة الغلو والتطرف حدد في مستهلها مفهوم التطرف الديني.
والاحتفال بالمولد النبوي في القيروان لا يتوقف عند زيارة المواقع التاريخية والدينية أو إعداد الأكلات الشهية وإنما هو أيضا مناسبة لختان الأطفال وخطوبة العرائس تبركا بهذا اليوم المشهود.







khedija arfaoui نشر 2007-03-30
هذا هام جدا.
Tarja Yrjola نشر 2007-03-31
موقع مغاربية هام جدا: خاصة مقالات اليوم عن القيروان - لقد زرت القيروان في إحدى المرات - والأبجدية الأمازيغية تفناغ - التي لم أسمع عنها من قبل - كانا جيدين. بصفتي فنلندي، فمعرفتي بالثقافة العربية ليست كبيرة، لكن موقعكم ساهم في إثرائها بشكل كبير. وأجد بالخصوص تصميم موقعكم جميل جدا! تحياتي من فنلندا، تارجا إرجولا. ملحوظة الزربية التي اشتريتها في القيروان قبل عشر سنوات حافظت على لونها وجودتها!
amina de kairaoun tunisie نشر 2007-04-11
شكرا لمغاربية - تحيا أرض الإسلام المتسامح.
احمد نشر 2008-07-11
salamo alahi 3alaykom
نحن نرحب بآرائكم حول مقالات مغاربية.
نأمل أن تستعين بهذا الفضاء الحواري للتفاعل مع قراء آخرين عبر منطقة المغرب الكبير. ومن أجل الحفاظ على الاهتمام بهذه التجربة نلتمس منك إتباع القواعد المبينة في سياسة أثناء صياغة التعليقات. وإنك بإرسال تعليق ما، فإنك توافق على هذه القواعد. وإن كان موقع مغاربية دوت كوم يشجع مناقشة جميع الموضوعات بما فيها المتسمة بحساسية، فإن التعليقات المنشورة لا تعبر سوى عن رأي أصحابها. فالموقع لا يؤيد أو يوافق بالضرورة على الأفكار أو الرؤى أو الآراء المعبر عنها من خلال هذه التعليقات. ويخضع هذا المنتدى لمراقبة إدارة التحرير ولذا يجوز ألا تُنشر التعليقات التي تُخل بالاحترام الواجب أو تخدش مشاعر الآخرين أو تحتوي على كلام فاحش.
سياسة مغاربية الخاصة بتعليقات القراء